تسبَّبت غازات البطن في شنِّ الحروب، واستحوذت على اهتمام علماء الدين، وأضحكت الملوك، وألهمت فرويد، وقادت هتلر إلى الجنون.

تحتوي اللغة الإنكليزية على العديد من الكلمات التي تدل على إخراج غازات البطن، حتى من قبل تصنيفها ضمن إطار أدبي، مثل الضراط، أو خوار الرياح، أو قطع الجبن، أو الغازات، أياً كان تسميتك لها، فإنه سلوك غير مرغوب، إلا أنه يعد أيضاً مصدراً للجاذبية، كما أن هناك أشياء مفيدة مثل سلسلة كتب أطفال واسعة الانتشار اسمها “فريق الغازات”، أو كما حدث في الحلقة الأخيرة من مسلسل “ألفين والسناجب” الفكاهي عندما قال “آسف، غازات البيتزا”.

يعد إخراج الغازات الآن أحد الأشياء التي نستجدي الغفران عليها، ولكن في الماضي، كانت مادة خصبة لتشريع القوانين، وأسباباً في الحروب، وحتى في المسائل الدينية، فنحن نرى الغازات على أنها مجرد شيء محرج، إلا أن تاريخ الغازات أكثر من مجرد هواء ساخن.

تحرير إلهي

يتضمن إخراج الغازات جانباً روحانياً إلى حد ما، فقد اعتقدت المانوية -وهي ديانة مثنوية انتشرت في أواخر العصور القديمة كان أحد روادها القديس أوجستين- أن إخراج غازات البطن هو تحرير إلهى “للنور” من الجسد.

ربما كانت المانوية وفقاً للباحث روبين لان فوكس هي “الديانة الوحيدة في العالم التي اعتقدت بالقوة الخيرية لإخراج الغازات”، إلا أنها لم تكن المجموعة القديمة الوحيدة التي أولت تلك الظاهرة الكثير من التفكير.

بجانب وضعه لأسس علم حساب المثلثات، فقد كان الفيلسوف فيثاغورث كثيراً ما يقلق من احتمال خروج روح الإنسان أثناء إخراجه للغازات، وكان الأديب الكلاسيكي أندرو فنتون يعتقد بذلك أيضاً، وهو ما يفسر ابتعادهم عن تناول الفاصوليا، وبالنظر إلى أن الروح أو Pneuma هي التنفس، وبما أن إخراج الغازات هو نوع من أنواع التنفس، أصبح التفسير منطقياً بعض الشيء.

حرب الغازات

كان خوف القدماء من إخراج غازات البطن له ما يبرره إذا ما أخذنا في الحسبان العدد المهول لقصص الحروب التي تسببت فيها تلك الغازات، وهي أكثر من واحدة. فوفقاً للمؤرخ اليوناني هيرودوت، تسبب إخراج الغازات في سلسلة من الأحداث أدت في النهاية إلى ثورة على الملك أبريس في مصر، بل كانت التداعيات أبشع في القرن الأول في القدس، إذ يخبرنا المؤرخ جوزيفوس أن جندياً رومانياً سفيهاً أنزل سرواله وانحنى، ومن ثمَّ “فعل مثل ما تتوقع أن يحدث في مثل هذا الموقف”، وكان هذا الحادث قبل وقت قصير من عيد الفصح، ما تسبَّب في اندلاع أعمال شغب أدت إلى مقتل 10 آلاف شخص.

منشط جنسي

هناك مزيد من المساوئ أيضاً، أخبرتني الدكتورة جيسيكا بارون، مؤرخة العلوم في جامعة نوتردام، أن بعض الأطباء يربطون غازات البطن بالممارسة الجنسية، إذ تقول “في الحقيقة يشير جالينوس وهو طبيب من القرن الثاني إلى أن امتلاء البطن بالغازات أو تناول الأطعمة المسببة للغازات يعتبر أحياناً منشطات جنسية، كما أكد ذلك بعد جالينوس بفترة كبيرة هوجو فريديفاليس الطبيب الفلمنكي الجاليني عام 1569، حينما كتب واصفاً كيف يساعد تكون الغازات في الانتصاب، كما أوصى بتناول الأطعمة المفرزة للغازات كنبات الهليون في هذه الحالة للمتزوجين حديثاً”.

بالنسبة لأغلب المسيحيين، يعد إخراج الغازات دليلاً على التشاؤم، إذ يشير القديس أوجستين بشكل غير مباشر إلى الذين يخرجون “أصواتاً موسيقية” بدون رائحة، أنهم كمن “يغنون” من مؤخراتهم، ويبدو أن ذلك ينطبق على قليل من الناس.

أشارت البروفيسورة فاليري ألان في كتابها “غازات البطن: اللغة والضحك في العصور الوسطى” إلى أن معظم علماء الدين في العصور الوسطى يرون أن إخراج الغازات “نتاج للتحلل”، وهو ما يعتبر “إشارة للموت”.

دعابة أم شأن روحي

من المثير للاهتمام أن إخراج الغازات كان يؤخذ بحس دعابة لفترات أطول مما كان يؤخذ على أنه شأنٌ روحاني، إذ يمكن الادعاء بأن أقدم نكتة في العالم كانت تدور حول إخراج الغازات، وهو المثل السومري الذي يرجع إلى عام 1900 قبل الميلاد، والذي يقول “هناك شيء لم يحدث منذ زمن طويل، شابة صغيرة لم تخرج الريح في حضن زوجها”، كما ظهر نفس الشيء في كتابات الكاتب المسرحي اليوناني أريستوفانيس، وكذلك في أعمال شكسبير ونشوسر ومارك توين وألف ليلة وليلة.

قد يكون استخدام النكات التي تتعلق بغازات البطن مخجلة جداً في بعض الأحيان عند تداولها بشكل علني، فقد أُزيلت كل القصص التي تتضمن إخراج الغازات من كافة ترجمات كتاب ألف ليلة وليلة إلى الإنكليزية في القرن التاسع عشر، عدا إصدار ريتشارد بورتون، بينما نشر كتاب “حقبة إليزابيث 1601” لمارك توين للمرة الأولى مجهولاً، بسبب ما يدور حول إخراج الغازات في هذا الكتاب، أما في عام 2014، فقد أخرت شركة Columbia Picture طرح فيلم “المقابلة”، بسبب ما تردد حول تصوير كيم يونج إل ديكتاتور كوريا الشمالية وهو يخرج غازات بطنه.

يمكن القول إن معظم الأفلام الكوميدية تعتمد على نكات غازات البطن، ومع ذلك، كان رولاند ليسارسير، والمعروف أيضاً بـ”رولاند مخرج الغازات”، منشد المحكمة في عهد الملك هنري الثاني ملك إنجلترا، فقد كان رولاند يؤدي الرقصات التي تنتهي بالتزامن مع تنفيذ الإعدام مع قفزة واحدة وصافرة واحدة وضرطة واحدة في ذات الوقت.

مُنح رولاند بيتاً في سوفولك تكريماً له نظراً لمواهبه، بالإضافة إلى 100 فدان من الأراضي، وكان محبوباً جداً، وهو ما دفع المؤرخين لاحقاً لتكرار قصته والتوسع في سرد سيرته الذاتية، تلك العملية التي امتدت بدون قصد لمدة 120 عاماً.

رقصة الغازات

لم يكن رولاند الوحيد الذي كان يتقاضى المال من أجل إخراج غازاته، فقد أشارت ألان في كتابها إلى اليابان في العصور الوسطى، التي تحكي قصة رجل يدعى فوكوتومي، والذي كان “يؤدي الرقصات المصحوبة بإخراج الغازات للطبقة الأرستقراطية”، وهي قصة خرافية، إلا أن ليندا رودريجز كتبت أنه “كان هناك عمال متخصصون في إطلاق غازات البطن في اليابان خلال القرن الثامن عشر”.

كان هناك ابن خباز يدعى جوزيف بوجول في باريس في نهاية القرن التاسع عشر، وكان يؤدي استعراضاً لمدة 90 دقيقة في مسرح مولان روج، مقدماً معزوفات موسيقية ببطنه مثل “تحت ضوء القمر”، كما يبدو أن سيجموند فرويد قد حضر أحد تلك العروض قبل تطوير نظريته عن “التثبيت الشرجي”.

إلا أن إطلاق الغازات كان مصدراً للإحراج في كل زمان ومكان، خاصةً بين ذوي الوضع الاجتماعي المرتفع المرموق، إلا أن مخاطر عدم التخلص من هذه الغازات كان معروفاً حتى قبل أن يُصرّح الدكتور أوز لأوبرا بضرورة التخلص من هذه الغازات علناً لأسباب صحية.

الموت خجلاً

سجل الكاتب الروماني سوتونيوس من خلال كتابته للسيرة الذاتية للإمبراطور كلوديوس أنه “أعدّ لنشر مرسوم يقضي بالسماح للناس بالتصرف بحرية في التخلص من الغازات وانتفاخ البطن أثناء الاجتماعات، عندما سمع أن شخصاً ما كاد أن يموت بسبب كتمه للغازات حياءً ممن حوله”.

على الرغم من ذلك، عندما تتبعت إليزابيث لوباتو إطلاق الغازات في ملخصها للتاريخ الطبي، وجدت أن العلوم الطبية قد تجاهلت مسببات “انتفاخ البطن المفرط” لآلاف السنين، ولكن لاحظ إم دي ليفيت في أواخر 1975 أنه “لا توجد بيانات كافية تثبت أن انتفاخ البطن المفرط سببه الحقيقي وجود غازات كثيرة في الأمعاء”، وذلك بناءً على تجربته التي أجراها بضخ غاز الأرجون في المرضى عن طريق المستقيم، وقد لاحظ أن المرضى يطلقون الغازات بنفس المعدل الذي يطلقونه عندما تكون بطونهم منتفخة بالغازات، وهو ما أثار دهشته آنذاك.

ظل الأمر كذلك حتى عام 1998 عندما اقترح ليفيت منهجية التمييز بين فرط الغازات الناتجة عن ابتلاع الكثير من الهواء، وانتفاخ البطن الناتج عن العمليات الحيوية في الأمعاء.

هناك جانب إيجابي لصعوبات تنظيم الغازات، وفقاً لجيم داوسون مؤلف كتاب ” Who Cut the Cheese” أو “من الذي أطلق الريح”، كان أدولف هتلر نفسه يعاني طوال حياته من ذلك، فقد أكد جون تولاند كاتب السيرة الذاتية أن السبب في انتفاخ بطن هتلر أنه كان نباتياً، إلا أن هناك آخرين ادّعوا أن هتلر أصبح نباتياً لعلاج اضطرابات جهازه الهضمي، ومع ذلك، بحلول عام 1936 ازدادت تشنجات هتلر بشكل لا يطاق.

معاناة هتلر

تناول هتلر في وقت مبكر من علاجه زيت محركات علاجاً من أجل التخلص من الغازات، وفي غضون ذلك صرف له الدكتور تيودور موريل من برلين حبوب دكتور كوستر المضادة للغازات، وهي خليط من المكونات تحتوي على مادتي الإستركنين والأتروبين السامتين.

وفقاً لداوسون، بحلول عام 1941 كان هتلر يتناول قرابة 150 حبة في الأسبوع، بينما لم تتسبب في موته، إلا أن الآثار الجانبية لهذا العقار تشمل العصبية المفرطة والأرق وضعف الصحة العصبية، وقبل وقت قصير من وفاة هتلر، ظهرت حقيقة تلك الحبوب عندما قرر طبيب آخر أن يقرأ قائمة مكونات حبوب دكتور كوستر السوداء، ما تسبب في طرد دكتور موريل، وهو ما يرى الكثيرون أنه محظوظ للغاية لفراره بحياته.

مهما كان تأثير إطلاق الغازات الثقافي، تظل في أسفل التسلسل الهرمي للأصوات الجسدية المقبولة اجتماعياً، قد يسبب التجشؤ بعض الإحراج، بينما قد تكون نوبات الفواق مضحكة بعض الشيء، كما يمكن أن يكون العطس الذي ينشر الأمراض جذاباً، حتى السعال يكون مقبولاً إذا غطيت فمك بكم ملابسك أو بيدك، إلا أنه يظل الإطلاق الخفيف للغازات في حاجة لقليل من إعادة الفهم الاجتماعي له، على الرغم من أن العلماء يقولون إن الشخص العادي يطلق الغازات 14 مرة يومياً.

إلا أن إطلاق الغازات كان مصدراً للإحراج في كل زمان ومكان، خاصةً بين ذوي الوضع الاجتماعي المرتفع المرموق، إلا أن مخاطر عدم التخلص من هذه الغازات كان معروفاً حتى قبل أن يُصرّح الدكتور أوز لأوبرا بضرورة التخلص من هذه الغازات علناً لأسباب صحية.

loading...