لم تكن المرة الأولى التي يقول فيها الملك محمد السادس “برافو” لمجموعة “فناير” الشبابية وهو يصفق لعرضها الذي قدمته في “كوب 22 ” برفقة أطفال فتفاعل الملك وضيوفه مع أدائها، ولكن سبق لمحمد السادس أن عبر عن إعجابه لنفس المجموعة قبل ثلاث سنوات، عندما قام بتوشيح أفرادها الثلاثة بأوسمة، إضافة إلى توشيح روح عضوها الرابع هشام بلقاص، الذي توفي في حادث سير تعرضت له المجموعة في طريق عودتها من مشاركتها في إحدى دورات مهرجان فاس للموسيقى الروحية منذ ست سنوات.

 

ولم يكن مفاجئا أن يدعو الملك فناير والأطفال المشاركين في أغنيتها البيئية التحسيسية إلى القصر بعد العرض، فمحمد السادس منذ توليه العرش التقى العديد من الفنانين في مناسبات رسمية وغير رسمية، كما صار واضحا حضور الفنانين في لائحة الموشحين في المناسبات الوطنية، بل وتوشيح بعضهم مرتين في نفس السنة كالفنانة دنيا باطما بعد إهدائها للمغرب أغنية ” المغرب وطننا”، كما وجد الفنانون المغاربة الشباب في اهتمام الملك بأعمالهم تحفيزا على الانخراط فنيا في القضايا الوطنية وخاصة قضية الصحراء المغربية، والعودة إلى الأغنية المغربية الوطنية بنفس شبابي جديد. ولم يتردد الملك محمد السادس في بعث رسالة شكر إلى المغني المغربي اليهودي ألبير كوهن عندما استمع إلى أغنية “ماتقيش ملكي”، التي أداها كوهن بالفرنسية وضمنها مقاطع بالعربية والإنجليزية والفرنسية والأمازيغية، وقام بتصويرها في فيديو كليب.

 

تحدث الملك محمد السادس عن عشقه لأنواع موسيقية معينة، ومن ذلك على الخصوص فن الراب والراي وكذلك الموسيقى الكلاسيكية، لكنه لم يخف أيضا اهتمامه بالأغنية المغربية العصرية التي أولى لها والده اهتماما كبيرا وساهم في الألق الذي عاشته في الماضي، لذلك ظل جانب من أسلوب اهتمام الحسن الثاني بها عند محمد السادس ولو بطريقة مغايرة، ومن ذلك حضور فنانين عرب في العديد من التظاهرات بالمغرب، توطدت علاقتهم بفنانين مغاربة كالعراقي كاظم الساهر، والجزائري الشاب خالد الذي منحه الملك الجنسية المغربية، ومارسيل خليفة الذي سبق أن وشحه الملك بوسام ملكي في مناسبة عيد العرش، حينما فوجئ المطرب الفلسطيني خلال تواجده بطنجة بدعوته ضمن الفنانين الذين تم توشيحهم حينها، واللبنانية ماجدة الرومي التي قدمت لأول مرة في مسارها الغنائي الطويل حفلين في نفس الليلة بمهرجان موازين ايقاعات العالم، التظاهرة الموسيقية السنوية التي سبق أن قدم فيها الملك منحة مادية للفرق الشابة المشاركة في احدى دوراتها، من بينها مجموعة “فناير” التي كانت قد اشتهرت حينها بأغنية” أيد الحنة” التي وجدت صدى كبيرا لم تنافسها فيه سوى أغنيتهم الأخيرة التي تناولت موضوع زواج القاصرات، وذلك بعد مرور سنة فقط على عمل محمد السادس على تقديم تكريم خاص لمجموعة ناس الغيوان بتخصيص منحة شهرية مدى الحياة لمجموع أعضائها، قبل أن يقدم لهم تكريما آخر في مهرجان مراكش الدولي للسينما من خلال اللقاء الذي جمعهم لأول مرة بالمخرج الأمريكي الكبير مارتن سكورسيزي، الذي سبق له أن وظف موسيقى ناس الغيوان لأزيد من عشرين سنة آنذاك في فيلمين له، أحدهما “الإغراء الأخير للمسيح ” الذي صورت مشاهد منه في المغرب. مارتن سكورسيزي الذي أصبح صديقا للملك محمد السادس إلى جانب نجوم عالميين آخرين كان الملك من عشاق أفلامهم وتحولوا إلى أصدقاء وأوفياء لمهرجان مراكش الذي كان محمد السادس وراء ميلاده بمساعدة الراحل دانييل توسكان دوبلانتي، مهندس أشهر المهرجانات العالمية، قبل أن يرحل وعمر مهرجان مراكش لا يتعدى السنتين، ليقدم الملك محمد السادس وفاء خاصا لروح الراحل من خلال تعويضه بزوجته مليتا توسكان دوبلانتي التي تعد اليوم من أقرب صديقات القصر، إلى جانب الفنانة المصرية يسرا التي رافقت المهرجان منذ أول دورة له. هذه التظاهرة التي سبق أن كان من بين ضيوفها أحد نجوم الأغنية الفرنسية الذي عشق محمد السادس أغانيه منذ صغره، ولم يتردد في زيارته رفقة زوجته آنذاك سيلفي فارتان بباريس، ويتعلق الأمر بالمغني جوني هاليداي الذي كان أيضا صديقا للحسن الثاني، إضافة إلى الفنانين جيرار دوبارديو وآلان دولان وكاترين دونوف وغيرها من الشخصيات الفنية التي رافق عشق أعمالها محمد السادس منذ صغره، سواء في مجال الغناء والموسيقى، أو في مجال التمثيل وكذلك مجال الفنون التشكيلية، فالملك عاشق للوحات على الخصوص أكثر من المنحوتات منذ أن كان وليا للعهد، حيث كان يحرص على زيارة المعارض العالمية واقتناء أعمال فنانيه المفضلين الذين يوحد ضمنهم مغاربة كموا بناني وحسن الكلاوي والغرباوي الذي يملك الملك كثيرا من لوحاته، وكذلك لوحات ماحي بنبين والشعيبية طلال.

 

مطربون مغاربة كثيرون فوجئوا باطلاع الملك محمد السادس على أعمالهم، كالفنان سعيد موسكير الذي فوجئ بتوصله بشيك يضم مبلغا ماليا مشجعا من طرف محمد السادس بعد صدور أغنيته “داير صاكي في اكتافي”، كما شجع جوديا بلكبير التي اشتهرت في مشاركتها في برنامج “استوديو دوزيم” بأدائها لأغاني أديت بياف، بل وفي سابقة من نوعها عمد محمد السادس إلى بعث رسائل تهنئة إلى الأصوات الشابة الفائزة في برامج اكتشاف المواهب، من بينهم محمد الريفي الفائز بلقب “اكس فاكتور”.

 

لم تتوقف علاقة الملك محمد السادس بالفنانين عند اللقاء بهم في مناسبات رسمية أو خلال بعض التظاهرات، ذلك أن الملك كان لا يتردد في أخذ الصور مع فنانين التقاهم خلال عطله، كما حدث مع الفنانة المغربية شدى حسون التي التقته خلال زيارته للإمارات العربية المتحدة، وكذلك لقاء الفنان المصري هاني رمزي بمحمد السادس وهو يتجول بدون حراسة في شرم الشيخ ، قبل أن يظهر الملك وهو يقتعد كرسيا في إحدى مقاهي فرنسا إلى جانب رشيد الدبوز الذي أصبحت تربطه علاقة صداقة مع محمد السادس منذ مايقارب عشر سنوات، بحيث قام الملك بزيارته لتهنئته بعد زواجه الذي أقامه في منزله الفاخر بفضاءات النخيل بمراكش، هذه الصداقة التي يتحدث عنها الدبوز دائماً بكثير من الاعتراف بالمساعدة التي لقيها من طرف الملك خاصة خلال تصوير فيلم “أندجين” الذي سبق أن اطلع محمد السادس على مضمونه، ووفر لفريق العمل كل العناصر التي كان يحتاجها لتصوير هذا الفيلم نزولا عند طلب الدبوز، الذي لم ينس أن يوجه شكره للملك محمد السادس خلال أول عرض للفيلم بميكاراما بالدار البيضاء بحضور فريق العمل وبعض قدماء المحاربين المغاربة الذين أعاد الفيلم لهم الاعتبار على مستوى عدم تكافؤ معاشهم مع المحاربين الفرنسيين، حيث كان الدبوز من الفنانين الفرنسيين من أصل مغربي الأوائل الذين أصبحوا أكثر حضورا في دائرة أصدقاء الملك قبل أن ينضم إليه كذلك سعيد التغماوي، الذي تحول إلى نجم في هوليود، وأيضا رشدي زم الذي أخرج فيلم “عمر قتلني”، الذي شخص فيه دور عمر الرداد سامي بوعجيلة، حيث كان مهرجان مراكش قد كرم كل هذه الأسماء الشابة التي تتميز بحضورها على المستوى العالمي والوطني أيضا.

 

لكن الحس الموسيقي للملك محمد السادس الذي يستشعره المقربون منه أكثر أصبح واضحا، كما حدث حينما قام الرئيس المالي بوبكر كيتا بإهداء الملك آلة موسيقية تقليدية تعرف باسم” الكورا” منذ ثلاث سنوات خلال زيارته لبعض الدول الإفريقية، حيث بدا الملك وكأنه متعود على العزف على هذه الآلة المصنوعة من حبة اليقطين المقطوعة إلى نصفين والمغلفة من جلد البقر، والتي تحدث صوتا شبيها بإيقاع الفلامنكو، لتنضاف إلى العديد من الآلات الموسيقية التي سبق أن اقتناها الملك خلال بعض جولاته، ومنها آلة بيانو تعشق كثيرا الأميرة للا خديجة العزف عليها، حسب مصدر لـ”الأيام”، إضافة إلى عدة آلات كان الملك الحسن الثاني يحتفظ لها بمكانة خاصة، ومنها آلة الأورغ التي كان الفنان عبد الحليم حافظ قد أهداها للملك في بداية السبعينيات.
لكن عشق الملك للموسيقى لن يتوقف عند ما هو نظري، بل سيحول هذا الميول إلى تطبيق حينما بدا مستعدا بل بدا أكثر تحفيزا للرئيس التنزاني ليجرب الآلة التي لفتت انتباهه، وذلك خلال زيارته الأخيرة لتنزانيا، قبل أن يدعوه رئيس تنزانيا ليرافقه في قرع الطبل الضخم، ليظهر أن الملك فعلا يجيد ضبط إيقاع الطبل بشكل لفت إليه الانتباه، خاصة وأنه بدا جد مستمتع بهذه التجربة الموسيقية على أرض إفريقية تمتاز بفلكلور غني بحركاته وإيقاعاته وألوان أزيائه والأكسسوارات المرافقة لها، حيث كان يتابع باهتمام مختلف العروض الفنية الترحيبية التي كان يستقبل بها خلال جولاته الإفريقية، ودون شك لم يكن حضور اكون، نجم الراب الأمريكي ذو الأصل السينغالي، صدفة سواء في مهرجان “موازين” في السنة الماضية، أو في مؤتمر المناخ في مراكش حيث أحيى حفلا كبيرا بهذه المناسبة.

loading...